رجعت من السفر لما سمعت ان طليقتي هتتجوز ورغم اني انا اللي اخترت الطلاق بس لما سمعت الخبر الدم غلي في عروقي وهددتها اني هاخد منها ابننا ...افتكرتها هتترجاني بس فاجاتني لما ضحكت بطريقه عصبتني اكتر وقالتلي كلامك يبقى مع خطيبي! بس المصيبه مش هنا المصيبه كانت لما عرفت مين خطيبها وفهمت هيه تقصد ايه!!!! الدنيا اتلخبطت في ثانية برنة تليفون جات لي لما كنت قاعد في مكتبى برة مصر، وسط أوراقي وشغلي اللي سحلت نفسي فيه بقالي سنتين عشان أهرب من أي حاجة تفكرني باللي فات. صوت صاحبي على الناحية التانية كان متردد وهو بيقولي: "سليم... أنا شفت نادين امبارح، كانت بتشتري شبكة... نادين هتتجوز يا صاحبي". في اللحظة دي، حسيت كأن حتة تلج نزلت في جوفي، وبعدها بثواني التلج ده اتقلب لنار بتغلي. الدم فار في عروقي بشكل مش قادره أتحكم فيه. قفلت السكة من غير ما أرد، لميت كام حاجة في شنطة سريعة، وسيبت الشغل، والمشاريع، وكل حاجة ورا ضهري. حجزت أول طيارة نازلة القاهرة. طول الرحلة وأنا بفرك في إيدي، دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة: ليه؟ وإزاي؟ ومين ده اللي هياخد مكاني؟ المضحك المبكي، والوجع الحقيقي اللي كان بياكل في قلبي، إني أنا اللي اخترت الطلاق ده بإيدي. أنا اللي دمرت البيت ده بطبعي القاسي. نادين مكنتش وحشة، بالعكس، دي عاشت معايا سنين بتحاول تشتري خاطري، وتقرب المسافات اللي كنت دايماً ببعدها. كنت بني آدم غريب، بفتعل المشاكل من الهوا، بتلكك على الكلمة، وكنت علطول بارد ومتجاهل وجودها. كام مرة كانت تقعد تستناني وعينيها مليانة عتاب عشان أتكلم معاها، وأنا أدير ضهري وأنام؟ كام مرة طلبت مني نبقى مع بعض في لحظات مهمة وكنت بتحجج بالشغل؟ هي استحملت كتير، حاولت بكل الطرق تنقذ المركب، بس أنا كنت زي الجبل مابتأثرش، لحد ما جيبت آخري معاها وقولتلها "كل واحد يروح لحاله". فاكر يوم ما لميت شنطي وسافرت عشان "أكمل حياتي" وأبني مستقبلي برة. كنت فاكر إن البعد هيريحني، بس الحقيقة إن من أول يوم رِجلي عتبت فيه الغربة، وأنا عايش في فراغ ملوش آخر. البيت من غيرها كان ضلمة، والنجاح مكنش ليه أي طعم. الندم كان بياكل في قلبي زي السوس كل ليلة وأنا بفتكر ملامحها وهي بتعيط وتقولي "بلاش تضيعنا يا سليم". بعد سنة من العذاب ده، مأستحملتش، مسكت التليفون وكلمتها. كنت فاكر إنها لسة البنت الضعيفة اللي هتبكي لما تسمع صوتي، بس الصدمة إنها صدتني تماماً. كلمتني ببرود غريب، رفضت كل محاولاتي للرجوع، وقالتلي بوضوح: "اللي بينا انكسر يا سليم، والكسر ده مبيتصلحش". حتى لما فكرتها بابننا "عمر"، وقولتلها عشان خاطر الولد ومستقبله، ردت عليا بنبرة كلها قوة: "ابني في عينيا، ومش هخليه يحتاج حاجة، بس حياتي معاك انتهت". أهو "عمر" ده بقا كان القشة اللي بتعلق بيها، والسبب اللي كنت بقنع بيه نفسي إني راجع عشانو. أول ما وصلت القاهرة، مروحتش على بيتي، ولا حتى روحت أشوف ابني. رجلي أخدتني علطول على "البوتيك" بتاعها. نادين بعد الطلاق فتحت محل ورد صغير، مشروع كانت دايماً بتحلم بيه وأنا كنت بتريق عليه وبقولها كلام فاضي. وقفت برا المحل لثواني، أخدت نفس عميق ودخلت. أول ما شفتها، قلبي دق بسرعة غريبة. كانت واقفة وسط الورد، لابسة فستان رقيق، وشكلها جميل ومبهج زي العادة، يمكن أجمل بكتير من وقت ما كانت معايا؛ وشها كان رايق وفي عينيا لمعة مكنتش بشوفها زمان. ملامحها اتغيرت ثانية واحدة أول ما شافتني، بس بسرور غريب رسمت على وشها ابتسامة باردة، وكلمتني برسمية قاتلة، كأني زبون غريب داخل يشتري بوكيه ورد! قالتلي بنبرة هادية: "أهلاً يا سليم.. حمد الله على السلامة. جاي تشوف عمر؟ هو عند ماما دلوقتي". البرود ده عصبني، فكرني بكل العند اللي جوايا. نسيت ندمي، ونسيت إني أنا اللي ظلمتها، ورجعت لسيرتي الأولى.. سيرة الراجل اللي مبيحبش يتكسر. قربت منها وقولت بصوت حاد ومكتوم عشان الناس اللي في المحل: "عمر مين اللي عند مامتك؟ أنا مش جاي عشان عمر دلوقتي يا نادين.. أنا جاي عشانك! إيه الكلام اللي سمعته ده؟ إنتي بجد هتتجوزي؟". بصتلي بهدوء غريب ومردتش، وده استفزني أكتر، فكملت بزعيق وعصبية: "اسمعي بقى.. أنا مستحيل هسيب الجوازة دي تتم، ومستحيل هسمحلك تتجوزي أصلاً! ومش عشانك، متفتكريش إني هموت عليكي.. لأ، ده عشان ابني! أنا مش هسيب ابني وحتة مني لراجل تاني غريب يربيه وياخد مكاني، إنتي فاهمة؟". كنت متوقع إنها تخاف، تترجاني، أو على الأقل تتعصب وتزعق زي زمان وتدافع عن نفسها.. بس اللي حصل فاجأني وشل حركتي تماماً. نادين بكتل كامل من البرود والثقة، بصت في عينيا وضحكت! ضحكة عالية، صافية، وفي نفس الوقت مستفزة بشكل عصبني لدرجة كنت هفقد فيها أعصابي. ضحكتها كانت بتقول إني مبقتش بساوي عندها أي حاجة. وقفت ضحك فجأة، وبصتلي بنظرة كلها تحدي وقالتلي: "كلامك وصوتك العالي ده ميبقاش معايا أنا من النهارة يا سليم... كلامك ده تروح تقوله لخطيبـي". حسيت كأن حد ضربني بقلم على وشي. قولت باستغراب واستهزاء وأنا مش مستوعب: "نعم؟! خطيبك؟! وهو بسلامته دخله إيه بيني وبينك؟ وبأي صفة يتكلم معايا في أمر ابني؟". قربت مني خطوة، وعينيها لمعت بقوة غريبة وقالتلي بكل ثقة: "دخله إيه؟ هو أنا.. وأنا هو. يعني كلمتك معاه هي كلمتك معايا، وهو اللي من حقه يقرر كل حاجة تخصني وتخص ابني من هنا ورايح... وعموماً، كلامك يبقى معاه وبس، وأهو وصل وواقف وراك علطول... مش حابب تتعرف عليه؟". الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. "واقف وراك"؟ حسيت بهوا بارد ورايا، وبأنفاس شخص مألوف جداً. التفتت ببطء وأنا جسمي كله بيترعش، وعيني جت في عين الشخص اللي واقف ورايا وساند على باب المحل وبيبصلي بنظرة بارده وفيها استهزاء في نفس الوقت. في اللحظة دي.. الدنيا دارت بيا فعلاً. حسيت الأرض انشقت وبلعتني، والحيطة اللي ورايا بقت السند الوحيد عشان مقعش على الأرض من الصدمة. ، وبقيت ببص للشخص ده ولنادين بذهول ملوش آخر!!!!! دخلت في حالة ذهول تام، شريط حياتي كله مر قدام عيني في لحظة واحدة وأنا شايف الشخص اللي واقف قدامي. الصدمة شلت لساني، ومبقتش قادر حتى أتنفس. الراجل اللي واقف ورايا، وساند بكل ثقة على باب المحل، وبيبص لي بنظرة فيها مزيج من الشماتة والبرود، مكنش غريب... ده كان "طارق"! طارق.. صاحبي وأقرب بني آدم ليا، الشخص الوحيد اللي كنت بكلمه من برة مصر وأنا ببكي وبقوله إني ندمان على طلاقي لنادين! طارق اللي كان بيسمع تفاصيل وجعي، ويقولي "خلاص يا صاحبي اللي انكسر مبيتصلحش، انسى وعيش حياتك".. طارق اللي كنت مأمنه على أسراري وبيتي، هو نفسه الراجل اللي جاي ياخد مكاني ويقعد في حضنه ابني! حسيت بنبضات قلبي بتضرب في نادفوخي، رجعت خطوتين لورا وأنا مش مصدق، بصيت لطارق وقولت بصوت يادوب طالع، مخنوق بالدموع والعصبية: "طارق؟! إنت؟! مش ممكن.. إنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه الكلام اللي بتقوله نادين ده؟". طارق حط إيده في جيبه، وقرب مني بخطوات هادية، الابتسامة الباردة مشمفارقة وشه، وبمنتهى الثبات قال: "أهلاً يا سليم.. حمد الله على السلامة. نادين مابتكذبش يا صاحبي، نادين هتبقى مراتي، وعمر من هنا ورايح هيبقى في مسؤوليتي". الدنيا اسودت في عيني، الدم فار في عروقي لدرجة إني مأحستش بنفسي غير وأنا بتهجم عليه وبمسكه من قميصه بكل قوتي وزعقت وسط المحل: "يا خاين! يا واطي! دي طليقة صاحبك! أنا كنت بشتكيلك منها ومن ندمي، كنت بتسمعني وإنت بتخطط من ورا ضهري عشان تاخدها؟ إنت كنت بتسوق فيا البرود عشان تخليني أبعد؟". طارق مأهتزش، بالعكس، مسك إيدي اللي على قميصه ونزلها بقوة وثقة فاجأتني، وبص في عيني بنظرة حادة وقال بنبرة واضحة: "فوق يا سليم! إنت اللي رميت النعمة دي بإيدك. سنتين وأنا شايفها بتموت من قسوتك وإهمالك، ولما طلقتها وسافرت، هي مكنتش لاقية تاكل ولا تدير حياتها.. مين اللي وقف جنبها؟ مين اللي ساعدها تفتح المحل ده وتبدأ من جديد؟ أنا يا سليم! أنا اللي كنت الراجل اللي هي محتاجاه، في الوقت اللي إنت كنت فيه عايش لغرورك وبس". التفت لنادين، كنت دايماً بشوف في عينيها نظرة الخوف أو الرجاء، بس المرة دي كانت واقفة ورا طارق، حاطة إيدها على كتفه بثقة، وبتتبادل معاه نظرات طمنتني إنها مبقتش شايلالي جواها غير القرف والرفض. نادين تكلمت وصوتها كان أقوى من صوت طارق: "طارق مأخدنيش منك يا سليم، إنت اللي بعتني من زمان.. طارق رجعلي روحي اللي إنت موتها بقسوتك. وعمر ابني مش هيعيش مع بني آدم ميعرفش غير نفسه.. طارق هو اللي هيبقى أبوه فعلياً". الكلام كان زي السكاكين بتقطع في جسمي. الغرور والعند اللي جيت بيهم من السفر اتهدوا تماماً، واتحولوا لغل وعجز. أنا سيبت كل حاجة برة مصر وجيت عشان أفرض سيطرتي، فلقيت نفسي بخسر كل حاجة: مراتي، وابني، وصاحب عمري، وكرامتي. قولت بنبرة مليانة تهديد وعيني بتطق شرار: "المحاكم بينا يا نادين.. المحاكم بينا يا طارق. أنا مش هسيب ابني يتربى في بيت واحد خاين.. القانون معايا، وهتشوفوا أنا هعمل إيه!". طارق ضحك بسخرية، وقرب من ودني وهمس: "روح للمحاكم يا صاحبي.. ونادين لما تتجوزني، الحضانة هتروح لوالدتها، ووالدتها في صفي وصوف نادين، وعمر هيفضل معانا وتحت عينينا.. إنت برة اللعبة يا سليم، برة حياتنا كلها". خرجت من المحل وأنا مش شايف قدامي، بجر رجلي بالعافية في شوارع القاهرة اللي كانت زحمة ومخنوقة، بالظبط زي دماغي. الصدمة كانت أكبر من استيعابي.. طارق ونادين؟ إزاي وبدأوا من إمتى؟ وهل طارق كان السبب في إن نادين ترفض ترجعلي لما كلمتها من سنة؟ الأفكار كانت بتنهش في عقلي، مكنتش قادر أستسلم، ومستحيل هسيبهم يفوزوا عليا بالسهولة دي ويهدموا الباقي من كبريائي. روحت على بيت حماتي السابقة عشان أخد عمر، كنت عايز أعمل أي حاجة أحرق بيها قلبهم زي ما حرقوا قلبي. وصلت العمارة، وطلعت السلم وأنا بنهج، خبطت على الباب بعنف.. فتحت لي حماتي، ملامحها اتغيرت أول ما شافتني، وقبل ما تنطق بكلمة، زقيت الباب ودخلت وأنا بزعق: "فين عمر؟ فين ابني؟ أنا هاخده معايا دلوقتي حالا!". بس الصدمة التالتة كانت مستنياني جوة الصالة.. مكنش عمر بس اللي قاعد، كان فيه حد تاني قاعد ومستنيني، حد مكنتش أتوقع أبداً إني أشوفه هناك، ووجوده قلب كل موازين القض..ية اللي كنت ناوي أرفعها! الحزء الثاني: وقفت في نص الصالة وجسمي كله بيتنفض من الغل، عيني كانت بتدور على "عمر"، بس الصدمة لجمتني لما شفت الراجل اللي كان قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وقدامه ملفات وأوراق كتير مفرودة على التربيزة. الراجل ده مكنش غريب عليا، ده كان الأستاذ "رفعت".. المحامي الشهير، وصديق والدي الله يرحمه، والراجل اللي كنت دايماً برجعله في أي مشكلة قانونية تخص شركتي! بصيت له بذهول وقولت بنبرة متقطعة: "أستاذ رفعت؟! إنت بتعمل إيه هنا؟ إزاي تكون قاعد في بيت حماتي، ومع مين؟!" رفع نظارته الطبية وبصلي بنظرة هادية ومليانة أسف، وقال بصوته الرخيم: "اقعد يا سليم.. اهدأ واستهدى بالله. أنا هنا بصفتي الوكيل القانوني لنادين ولطليقتك السابقة، وبصفتي كمان الراجل اللي شهد على قسوتك في طلاقها من سنتين". حسيت كأن السكاكين رجعت تقطع في صدري تاني. حتى المحامي اللي كنت بظنه سندي في الدنيا، واقف معاهم! زعقت بعصبية: "قانوني إيه وزفت إيه! أنا عايز ابني.. أنا جاي أخد عمر، ومحدش فيكم هيمنعني!". في اللحظة دي، خرجت حماتي السابقة من الأوضة، وكانت ماسكة في إيدها "عمر". الولد أول ما شافني، مَجرِيش عليا زي ما كنت متخيل.. بالعكس، استخبى ورا ضهر جدته وبصلي بخوف وجليد مكنتش متعود عليه. اللقطة دي كَسرت حتة جوة قلبي، بس كبريائي وعندي عموني. قربت عشان أشده، بس الأستاذ رفعت وقف في النص وقال بحزم: "لو مديت إيدك على الولد يا سليم، هطلبلك النجدة حالاً وأعملك محضر تعدي. اقعد واسمع القانون بيقول إيه عشان تعرف إنت واقف فين". قعدت على الكرسي وأنا بنهج، الغضب كان عاميني، وقولت: "القانون معايا! نادين هتتجوز، والحضانة بتسقط عنها بمجرد الجواز من راجل غريب، وأنا الأب والوصي الشرعي!". ابتسم الأستاذ رفعت بسخرية هادية، وسحب ورقة من الملفات اللي قدامه وقالي: "ده لو إنت عايش هنا وبتراعي ابنك يا سليم. لكن إنت مسافر بقالك سنتين، مابتسألش عن ابنك غير برنة تليفون كل كام شهر، ومابتبعتش قرش واحد مصاريف، ونادين هي اللي شايلة شيلته بالكامل بمساعدة طارق.. ده أولاً. ثانياً، القانون بيقول إن بعد الأم، الحضانة بتروح لأم الأم (حماتك)، وهي قاعدة قدامك بكامل صحتها وأهليتها، ورافعة عليك قض..ية نفقة متعة وعدة ونفقة صغير بقالها سنة، وإنت مابتستلمش الإعلانات لإنك هربان برة مصر!". الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. بصيت لحماتي وقولت: "إنتي يا طنط؟ إنتي ترفعي عليا قضايا وتديني ضهرك؟ ده أنا كنت بحترمك زي أمي!". ردت عليا بنبرة كلها مرار: "بنتي كانت بتموت قدام عينيا بسبب برودك وقسوتك يا سليم وكنت بسكت عشان مركبها تمشي، ولما رميتها وسافرت، مأفكرتش الولد ده هياكل منين ولا هيعيش إزاي. طارق هو اللي حماها ووفرلها الأمان، وشغلها في المحل هو اللي خلاها تقف على رجليها. أنا مش هسيب ابن بنتي يتربى مع راجل ميعرفش غير غريزة التملك". قمت وقفت وأنا بصرخ: "كلكم خططتوا لده! طارق ونادين وإنتي والمحامي! دي مؤامرة عشان تاخدوا مني ابني وتكسروني!". الأستاذ رفعت لم الأوراق وحطها في شنطته، وقام وقف وبصلي بحدة: "محدش تآمر عليك.. إنت اللي دمرت كل حاجة بإيدك وسيبت مكانك فاضي، وطبيعي لما تسيب مكانك فاضي، يجي راجل تاني يملاه. نادين وطارق هيكتبوا كتابهم الأسبوع الجاي، وإحنا مجهزين كل الأوراق عشان الحضانة تتنقل للجدة رسمي وبحكم محكمة، والولد هيفضل معاهم في نفس البيت.. لو عايز تشوف ابنك، هيبقى بالرؤية القانونية في نادي اجتماعي ساعتين في الأسبوع.. ده لو المحكمة وافقت بعد ما نثبت إهمالك". سيبتهم وخرجت وأنا مش قادر أصلب طولي. نزلت الشارع والدنيا بتلف بيا. صاحبي وعمري.. ومراتي.. ومحامي عيلتي.. كلهم بقوا في جبهة واحدة ضدي، وأنا واقف لوحدي في مهب الريح. رجعت على شقتي القديمة، الشقة اللي شهدت على أيامي مع نادين. دخلت وقفلت الباب، المكان كان ضلمة ومترب، ملوش الروح المبهجة اللي كانت نادين بتعملها. قعدت على الأرض في الصالة، وحطيت راسي بين إيديا. الأفكار كانت بتنهش في دماغي.. هل طارق كان بيحب نادين من زمان وأنا مش حاسس؟ هل نادين كانت بتخونني معاه بالوفاء والدعم وهو ده اللي خلاها ترفض ترجعلي؟ النار كانت بتاكل في صدري، ومستحيل كنت هقبل الهزيمة دي. قمت وفتحت النور، ودخلت مكتب الصغير، وطلعت تليفوني. كلمت واحد من معارفي القدامى في "مباحث الأموال العامة"، وقولتله بصوت مخنوق ومليان شر: "أيوة يا رامي.. أنا سليم. كنت عايزك في خدمة العمر.. عايز معلومات كاملة عن محل الورد بتاع نادين، وعن شغل طارق الجديد.. المحل ده اتفتح بفلوس منين؟ وطارق جاب السيولة دي منين؟ أنا متأكد إن فيه حاجة غلط، وعايز جناية تقلب الترابيزة على الكل!". قعدت أستنى على نار، والوقت كان بيمر كأنه سنين. بعد يومين بالظبط، رن تليفوني.. كان رامي. فتحت السكة بلهفة: "ها يا رامي؟ طمني، لقيت حاجة؟". صوت رامي كان غريب وفي نبرة صدمة وقالي: "سليم.. إنت متأكد إنك عايز تفتح السيرة دي؟ الموضوع مش زي ما إنت فاكر خالص.. المحل ده مش باسم نادين ولا باسم طارق.. المحل ده اتفتح بتمويل من جهة إنت تعرفها كويس جداً، والصدمة الكبيرة إن طارق مش مجرد شريك، طارق بيشتغل لحساب شخص إنت مستحيل تتخيله، والشخص ده هو اللي مرتب اللعبة دي كلها من قبل ما تسافر بسنة!". الحزء الثالث: مسكت التليفون وإيدي بتترعش، وصوت رامي كان طالع من السماعة كأنه جايل من سرداب ضلمة. زعقت فيه بصوت مبحوح: "انطق يا رامي! مين الشخص ده؟ ومين اللي ممول المحل ومحرك طارق من ورا ضهري؟". رامي أخد نفس طويل وقال الكلمة اللي وقعت على ودني كأنها قنبلة: "شريف يا سليم... شريف شريكك وابن عمتك!". الدنيا لفت بيا لدرجة إني سِندت راسي على الحيطة المحيطة بيا وأنا مش مصدق. شريف؟ شريف اللي كبرت معاه، وشريكي بالنص في شركة المقاولات والتوريدات اللي بنيناها عصب بحت طوب بطوب؟ شريف اللي لما طلقت نادين وقعدت أعيط في مكتبه، طبطب على كتفي وقال لي: "سافر يا سليم.. سافر وأنا مستعد أدير فرع القاهرة كله لوحدي، اخرج برة مصر وسحل نفسك في فرع الخليج عشان تنسى الوجع والمشاكل"؟! استوعبت كل حاجة في ثانية واحدة. شريط السنتين اللي فاتوا مر قدامي برؤية تانية خالص.. رؤية مرعبة. شريف كان بيبعدني عن مصر بكل الطرق، كل ما أقوله عايز أنزل إجازة، يقولي "المشاريع برة واقفة عليك، متضيعش شقانا". وطارق.. طارق اللي كان بيسمع شكوتي ونادمي برة مصر، مكنش بينقل الكلام لنادين، ده كان بينقله لشريف! قُلت لرامي بصوت بيترعش من الغل: "أنت متأكد يا رامي؟ متأكد من الكلام ده؟". رد عليا: "الأوراق قدامي يا صاحبي.. التمويل اللي اتفتح بيه بوتيك الورد بتاع نادين، طالع من حساب شركة وهمية لخدمات الديكور، والشركة دي المملوك الوحيد ليها هو شريف. وطارق مُعين كمستشار قانوني في الشركة الوهمية دي بمرتب فلكي! طارق مش شريك بفلوسه يا سليم، طارق مجرد واجهة، وشريف هو اللي بيحرك كل حاجة من ورا الستار". قفلت السكة من غير ما أنطق بكلمة. النسمة الباردة اللي في الشقة اتقلبت لإعصار. الغرور اللي اتكسر جوايا في محل الورد وفي بيت حماتي، اتقلب لطاقة انتقام مرعبة. نزلت جري، ركبت عربيتي وسوقت كأني مجنون في شوارع القاهرة لحد ما وصلت لمقر شركتنا الرئيسي في المهندسين. دخلت الشركة وبقيت بزق الموظفين والسكرتارية اللي كانوا بيبصولي بذهول وصدمة لأنهم مشفتونيش من سنتين. وصلت لمكتب شريف، زقيت الباب برِجلي ودخلت. شريف مكنش مخضوض.. بالعكس، كان قاعد ورا مكتبه الفخم، بيشرب قهوته بهدوء غريب. بصلي وابتسم ابتسامة صفرا وقالي: "حمد الله على السلامة يا سليم.. كنت عارف إنك هتيجي هنا بعد ما تخلص لفتك على نادين ومامتها". قربت من المكتب، هبدت بإيدي بكل قوتي على الخشب وزعقت: "يا واطي! يا خاين! بقا أنت.. أنت اللي مأمنك على مالي وشقا عمري، تطلع أنت اللي بتدير لعبة الجوازة دي؟ أنت اللي بتمول طارق ونادين عشان تكسرني وتاخد ابني؟ ليه؟ أنا عملت فيك إيه؟! ده أنا مأمنك على روحي!". شريف حط فنجان القهوة براحة، وسند ضهره لورا، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت حادة ومليانة غل مكنتش بشوفه فيه زمان: "أنت عملت فيا إيه؟ أنت مش شايف نفسك يا سليم؟ طول عمرك الأناني، الشايف نفسك، الراجل اللي سايق فيها البرود والقسوة على الكل. في الشغل كنت دايماً بتاخد اللقطة وتطلع أنت المهندس العبقري وأنا مجرد الإداري اللي قاعد ورا المكاتب. حتى نادين.. البنت الرقيقة اللي كانت بتستحمل قسوتك وإهاناتك وتطنيشك ليها، مكنتش حاسس بالنعمة اللي في إيدك". صدمتي كانت بتكبر مع كل كلمة بيقولها، فكمل وهو بيضحك بسخرية: "أنا ماليش دعوة بنادين كست، نادين عمرها ما شافتني أكتر من ابن عمتك.. بس طارق كان بيموت فيها من زمان ومكنش قادر يتكلم طول ما هي على ذمتك. لما أنت بغبائك وفرعونيتك طلقتها ورجعت سألتني أعمل إيه، أنا وطارق لقيناها فرصة. أنا كان يهمني تطلع برة مصر خالص، تسيبلي الجمل بما حمل عشان أقدر أدير فرع القاهرة من غير قرفك وتحكماتك.. وطارق كان عايز نادين. فعملنا الصفقة.. أنا مولت المحل لـ نادين باسم شركة الديكور عشان تقف على رجليها وماتحتاجلكش ولا تفكر ترجعلك، وطارق كان الغطاء القانوني والإنساني اللي بيوفرلها الأمان لحد ما تقع في حبه.. وبكده، طارق أخد الست اللي بيتمناها، وأنا أخدت الشركة!". مسكته من ياقة قميصه ورفعته من ورا المكتب وأنا بعيط من كتر القهر: "والشركة؟ افتكرت إنك هتاخدها؟ أنا هرفع عليك قض..ية وهحبسك يا شريف.. الفلوس دي فلوس الشركة وأنت اختلستها عشان تمول بيها مشاريعك الشخصية!". شريف نزل إيدي بكل برود وبص في عينيا بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها وقالي: "ترفع قض..ية على مين يا سليم؟ أنت نسيت التوكيل العام الرسمي اللي عملتهولي قبل ما تسافر؟ أنت نسيت العقود ومحاضر مجالس الإدارة اللي كنت بتبعتها لمكتبنا برة وممضية منك بالفاكس والإيميل الرسمي؟ أنا من ست شهور عملت إعادة هيكلة للشركة، ودمجت فرع القاهرة في مجموعة شركات تانية تبعي، وحالياً حصتك القانونية في فرع القاهرة مابتتعداش الـ 5%.. يعني أنت مملكش هنا غير تمن المكتب اللي أنت واقف فيه ده!". رجعت لورا خطوتين وأنا حاسس إن الحيطان بتضيق عليا، الأكسجين هرب من صدري. خسرت مراتي، وابني، وصاحب عمري، ودلوقتي شريكي وشقا عمري وفلوسي! كل ده بسبب طبعي، وبسبب الغرور اللي خلاني أسيب مكاني فاضي وأمشي وأنا فاكر إن الدنيا هتقف عشاني. شريف قرب مني، طبطب على كتفي بنفس الطريقة القذرة وقالي بدم بارد: "أنت فاكر إن اللعبة خلصت لحد هنا؟ تليفونك مكنش صدفة يا سليم.. صاحبيك اللي كلمك وقال لك نادين بتتجوز، كلمك بأمر مني أنا! إحنا اللي كنا عايزينك ترجع مصر في التوقيت ده بالذات.. لأن بكرا الصبح فيه مصيبة مستنياك في المحكمة الاقتصادية، ومصيبة تانية أكبر في النيابة بسبب شيكات وعقود توريد مضروبة باسمك أنت لسه واصلة من برة.. أنت مش بس خسرت كل حاجة يا سليم.. أنت رجلك عتبت مصر عشان تدخل السجن!". الحزء الخامس: شُلَّت حركتي تماماً وكأن دمائي تجمدت في عروقي. الباب الزجاجي كان الفاصل الوحيد بيني وبين الكابوس الجديد اللي بيظهر قدامي. الشخص اللي واقف جوة الأوضة، وإيده ممدودة على جهاز الأكسجين الخاص بالأستاذ توفيق، وبيرتعد أول ما عينه جت في عيني... مكنش شريف ولا طارق. الشخص ده كان "نادين"! طليقتي.. نادين اللي كانت واقفة من كام ساعة وسط الورد برقتها وفستانها الناعم، واقفة هنا في ضلمة أوضة المستشفى، وعينيها مليانة برعب وجنون مألوفش فيها أبداً. أول ما شافتني، سحبت إيدها بسرعة من على الأجهزة، ووشها اتقلب للون الأبيض كأنها شافت شبح. زقيت الباب بكل قوتي ودخلت الأوضة وأنا بنهج، قفلت الباب ورايا وسندت ضهري عليه عشان متهربش. بصيت لها بذهول وصدمة وخيبة أمل دمرت الباقي من عقلي، وقولت بصوت مخنوق: "نادين؟! إنتي؟ بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي كنتي بتعمليه في الأجهزة ده؟ إنتي كنتي هتموتيه؟!". نادين رجعت لورا خطوتين، وحطت إيدها على بوقها وهي بتبكي بهستيرية، ونبرة الثقة والبرود اللي كانت بتتكلم بيهم في المحل اختفوا تماماً. قالت بصوت مرتعش وبيقطع: "سليم.. إنت فاهم غلط.. والله العظيم فاهم غلط! أنا مكنتش هتموته.. أنا.. أنا كنت بلحق نفسي!". قربت منها ومسكتها من دراعها بغل وعصبية وزعقت بصوت مكتوم: "تلحقي نفسك من إيه؟ الأستاذ توفيق ده المدير المالي لشركتي! إيه علاقتك بيه؟ وإيه علاقتك بحادثة العربية اللي عملها؟ انطقي يا نادين.. بقا إنتي نادين اللي عشت معاها سنين؟ إنتي تطلعي مشتركة في المصيبة دي كلها؟!". نادين انهارت وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير وهي بتخبي وشها بإيديها، وقالت وسط دموعها: "أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكدة يا سليم! أنا كنت ضحية زيك.. شريف هو الشيطان اللي دبر كل حاجة!". سحبت كرسي وقعدت قدامها وعيني بتطق شرار: "احكيلي كل حاجة حالا.. بكرا الصبح جلستي، وشريف لابسني قض..ية بـ 20 مليون جنيه وهدخل السجن. انطقي بدل ما أطلب الأمن والمباحث ييجوا ياخدوكي من هنا بتهمة الشروع في قتل!". نادين رفعت راسها وعينيها حمرا من العياط وقالت: "من سنة ونص.. بعد ما إنت سافرت بكام شهر، والمحل بتاعي بدأ يشتغل بالتمويل اللي شريف بعتهولي عن طريق طارق.. أنا مكنتش أعرف إن الفلوس دي من شركتك أو إن شريف هو اللي وراها، طارق قالي إنها قروض وتسهيلات من شركة ديكور هو مستشارها القانوني. بس الصدمة كانت من ست شهور، لما الأستاذ توفيق جالي المحل فجأة!". برقت عيني وقولت: "توفيق جالك المحل؟ ليه؟". كملت نادين بصوت واطي: "توفيق كان معاه أوراق وحسابات، وقالي يا نادين.. المحل ده متمول بفلوس مسروقة ومختلسة من شركة سليم، وشريف وطارق بيستغلوكي كواجهة عشان يغسلوا فلوس وعقود وهمية باسم شركة الديكور دي. توفيق قالي إن شريف بيخطط يلبسك إنتي وطارق قض..ية تزوير واختلاس لو سليم رجع واكتشف اللعبة، أو يلبس سليم نفسه القض..ية لو رفض يفضل برة مصر!". أخدت نفس عميق وحسيت إن الصورة بدأت تكتمل، فكملت نادين بخوف: "أنا اترعبت.. كلمت طارق وزعقت فيه، طارق حلفلي إنه ميعرفش إن شريف بيلعب اللعبة دي كلها، وقالي إنه وافق يكمل في الموضوع بس عشان يفضل جنبي ويحميني لأسير حبه الشديد ليا. طارق قالي الحل الوحيد عشان نحمي نفسنا من شريف، وعشان نمنعك إنت كمان من إنك ترجع تأخد عمر وتدمر حياتي الجديدة، هو إننا نتجوز بسرعة، وننقل الحضانة لماما، ونخلي شريف يفتكر إننا لسة في صوته لحد ما نلاقي طريقة نخلص منه". قاطعتها بحدة: "طب وتوفيق؟ إيه اللي جابه المستشفى هنا وهو بين الحياه والموت؟ وإنتي بتعملي إيه في أوضته؟". بصت للسرير وقالت برعب: "توفيق كلم طارق من تلات أيام وقاله إنه قرر يروح النيابة ويقدم المستندات الأصلية اللي بتدين شريف وبتبرأك أنت يا سليم، لأن ضميره مأنبه ومش عايز يشيل ذنب تدمير عيلة. طارق خاف إن شريف يعرف فيموت توفيق، أو إن اللعبة كلها تتكشف وإنت ترجع وتاخد الولد.. وفجأة توفيق عمل الحادثة دي! طارق كلمني من ساعتين وهو مرعوب، وقالي إن شريف هو اللي عمل الحادثة لتوفيق، وإن توفيق معاه في المستشفى 'شنطة سوداء' فيها أصول المستندات والشيكات المضروبة اللي شريف ناوي يقدمها ضدك بكرا في المحكمة.. طارق قالي انزلي المستشفى فوراً وادخلي أوضة توفيق وخدي الشنطة دي قبل ما رجال شريف يوصلوا لها.. وأنا مكنتش بشيل الأكسجين يا سليم.. أنا كنت بمد إيدي عشان أخد الشنطة اللي توفيق مخبيها تحت السرير!". نزلت على ركبي وبصيت تحت السرير.. وفعلاً، كانت فيه شنطة جلد سوداء صغيرة مستخبية ورا جهاز المحاليل. سحبتها بسرعة وفتحتها.. وعيني برقت لما شفت أصول العقود، وتحويلات بنكية، وشيكات ممضية باسم شريف شخصياً، وتقرير مالي كامل ومختوم وممضي من توفيق قبل الحادثة بيثبت إن الـ 20 مليون جنيه دخلت حساب شريف الخاص في سويسرا! مسكت الشنطة وقمت وقفت وأنا حاسس إن طوق النجاة رجعلي في آخر لحظة. بصيت لنادين وقولت بنبرة مليانة عتاب ووجع: "كنتي قادره تيجي تقوليلي يا نادين.. كنتي قادره تحميني زي ما كنتي بتقولي زمان إنك بتموتي فيا.. بس إنتي اخترتي تصدقي طارق وتمشي وراه!". نادين عيطت وقالت: "إنت اللي قسيت عليا يا سليم.. إنت اللي سيبتني لوحدي فريسة لشريف وطارق! أنا كنت خايفة على ابني.. خايفة تاخده مني!". في اللحظة دي، وقبل ما أنطق بكلمة ثانية، الباب بتاع الأوضة اتفتح بعنف.. ودخل طارق وهو بيلهث وشكله مرعوب، وأول ما شافني والشنطة في إيدي، وشه اتقلب 180 درجة، وقفل الباب وراه بسرعة وطلع من جيبه "طبنجة" (مسد..س) ووجّهها لصدري مباشرة! طارق قال بنبرة مجنونة وعينيه كلها شر: "سيب الشنطة دي يا سليم.. سيبها وإلا هخلص عليك هنا وحالاً.. اللعبة دي مفيهاش سجن وبس، اللعبة دي فيها رقاب!". الحزء السادس: الطبنجة كانت موجهة لصدري مباشرة، وإيد طارق كانت بترتعش وعينيه مليانة جنون وخوف من الراجل اللي كان في يوم من الأيام أقرب مأمن لأسراره. نادين صرخت وحطت إيدها على بوقها ورجعت لورا وهي بتقول برعب: "طارق! إنت بتعمل إيه؟ نزّل البتاع ده.. إنت اتجننت؟!". طارق مابصش ليها، كان مثبت عينه في عيني وهو بيلهث وقال بصوت فحيح زي الأفعى: "اسكتي يا نادين! سليم لو خرج بالشنطة دي من هنا.. أنا وإنتي وشريف كلنا هنروح في داهية. الشنطة دي فيها نهايتنا كلنا!". التفت ليا وزعقت بحدة: "ارمِ الشنطة على الأرض يا سليم.. ارميها بقولك! أنا مش هسمحلك تهد كل اللي بنيته في سنتين عشان ترضي غرورك وكبريائك!". أخدت نفس عميق، ورغم إن قلبي كان بيدق في نفوخي من الرعب، إلا إن الغل والقهر اللي عشتهم الساعات اللي فاتت خلوني مأهبش الموت. ضحكت بسخرية مريرة وقدمت خطوة ناحيته والشنطة في إيدي وقولت: "هتقتلني يا طارق؟ هتقتل صاحب عمرك اللي كان بيبكي في حضنك؟ اضرب يا صاحبي.. اضرب وعيش بقية عمرك مش بس خاين لبيتي، لأ.. وقاتل كمان! بس افتكر إنك لو قتلتني، نادين هتشهد عليك، والشرطة برة مالية المستشفى، ومستحيل هتخرج من هنا سليم". كلامي خلاه يرتبك أكتر، وفجأة نادين استغلت لحظة تشتته وهجمت على إيده وحاولت ترفع الطبنجة لفوق. في ثانية واحدة الأوضة اتقلبت لساحة معركة، طارق بيزق نادين وهي بتصرخ وتمسك في إيده، وأنا انتهزت الفرصة واندفعت بكامل جسمي عليه. صوت ضربة رصاص مكتومة طلع في الأوضة "بَـمّ!".. الرصاصة استقرت في السقف ونزل تراب وجبس علينا. نجحت إني أثبّت إيد طارق وأضربها في الحيطة لحد ما الطبنجة وقعت من إيده على الأرض. زقيته بكل قوتي وقع على الكنبة القديمة اللي في الأوضة، وسحبت الشنطة والطبنجة من على الأرض بسرعة وفتحت باب الأوضة وجريت ونادين ورايا وهي بتعيط وتصرخ. خرجت لطرقة المستشفى وأنا بنهج، لميت نفسي وبقيت بتمشى بسرعة كأني زائر طبيعي عشان ملفتش نظر أمن المستشفى أو أي حد تبع شريف ممكن يكون مراقب المكان. نزلت جري على السلم مش الأسانسير، وخرجت للجراج، ركبت عربيتي وقبل ما أدور المحرك، شفت نادين بتخبط على زجاج العربية وهي بتنهج ووشها مليان دموع. فتحت جزء من الزجاج، فقالت بنبرة رجاء مكسورة: "سليم.. أرجوك متوديش طارق ونادين في داهية.. أنا عملت كل ده عشان أحمي عمر.. والله عشان أحمي ابني من قسوتك ومن شر شريف.. أرجوك فكر في ابننا قبل ما تعمل أي حاجة بالشنطة دي!". بصيت لها بنظرة باردة، نظرة مفيهاش العند القديم ولا الغرور، كان فيها بس حزن عميق على الست اللي كانت في يوم من الأيام شرفي وبيتي. قولت لها بكلمتين وبس: "عمر هيفضل معايا يا نادين.. والي هيدفع الثمن هو اللي بدأ اللعبة". وسوقت العربية بأقصى سرعة وسيبتها واقفة في ضلمة الجراج بطولها. الساعة كانت بتدق 4 الفجر، ومبقاش فاضل غير ساعات قليلة على الجلسة في المحكمة الاقتصادية. مكنش ينفع أروح لشقتي لأن أكيد شريف أو طارق هيدوروا عليا هناك. فتحت التليفون وكلمت "رامي" بتاع مباحث الأموال العامة للمرة الثالثة، وقولتله بصوت حاسم: "رامي.. الأصول معايا. أصول الشيكات، والتحويلات لسويسرا، وتقرير توفيق المالي. أنا قدام بيتك بعد نص ساعة، محتاجك تراجع الأوراق دي معايا وتوصلي لرئيس النيابة اللي ماسك القض..ية فوراً قبل ما الجلسة تبدأ!". رامي قالي بلهفة: "أنا مستنيك يا سليم.. اخلص!". وصلت بيت رامي، وقعدنا على التربيزة نفرز الأوراق. رامي عينه كانت بتوسع مع كل ورقة بيشوفها، وقال بذهول: "شريف ده عبقري ومجرم في نفس الوقت.. كان بيحول الأرباح لحساب شركة الديكور الوهمية، ومنها لحسابه في سويسرا، ومطلع العقود باسمك إنت بصفة حصرية. الورق ده ينسف قضيته بكرا تماماً.. بس فيه مشكلة قانونية صغيرة يا سليم". سألته بقلق: "مشكلة إيه؟". قال لي: "التقرير المالي ده ممضي من توفيق، بس توفيق في غيبوبة دلوقتي ومقدرش يثبت توقيعه رسمي في النيابة.. وشريف محامي شاطر وهيقول إن الإمضاء ده مزور أو إنك سرقت الأوراق دي.. إحنا محتاجين 'مستند تصديق' أو إقرار رسمي من البنك المركزي بيثبت حركة خروج الـ 20 مليون جنيه من حساب شركتكم لحساب شريف الشخصي، والإقرار ده مبيطلعش غير بطلب رسمي من النيابة، والطلب ده بياخد على الأقل 48 ساعة.. والجلسة بتاعتك بعد 4 ساعات!". حسيت إن الأرض بتهتز تحتيا تاني.. 48 ساعة؟ يعني بكرا هيدخل القاضي، وشريف هيقدم العقود المضروبة، والقاضي مأداموش حل غير إنه يحبسني احتياطياً على ذمة القض..ية لحد ما التحقيقات تتم! يعني هتدخل السجن ولو ليام! قُلت لرامي بجنون: "يعني إيه؟ يعني مفيش حل؟ هدخل السجن برضه عشان الإجراءات؟". رامي بص في الأوراق بتركيز شديد وفجأة ابتسم وقال: "فيه حل.. بس ريسك (مخاطرة) كبير جداً يا سليم. شريف وطارق بكرا هيحضروا الجلسة بنفسهم عشان يضمنوا إنك تتسجن. إنت مش هتقدم الورق ده للمحكمة علطول.. إنت هتدخل الجلسة وتبدأ الدفاع، وأنا هكون مجهز قوة من مباحث الأموال العامة واقفة برا القاعة بطلب ضبط وإحضار لشريف بناءً على البلاغ اللي هقدمه حالا بالشنطة دي.. بس عشان الطلب يتنفذ جوة القاعة والقاضي يوقف الجلسة، لازم شريف نفسه 'يعترف' أو يغلط بغلطة عمره قدام القاضي ويثبت إنه هو اللي كان بيدير الحسابات دي كلها في التوقيت ده!". وافقت علطول، مكنش قدامي خيار تاني. نمت ساعتين على الكنبة عند رامي كأنهم كابوس مستمر. ولما الشمس طلعت، لبست بدلتي، وأخدت الشنطة السوداء، واتحركنا على المحكمة الاقتصادية بقلب ميت. دخلت قاعة المحكمة، وكان الجو زحمة ومخلوط بصوت همس المحامين. وقفت في الممر.. وفجأة شفت شريف واقف مع طارق ومحامي تالت فخم جداً. شريف أول ما شافني داخل ولابس بدلتي بكامل ثقتي، ابتسامته الصفرا ظهرت على وشه، وقرب مني وهمس في ودني بشماتة: "جاهز للكلبشات يا سليم؟ أظن البدلة دي هتبقى شيك جداً في ليمان طرة!". بصيت له بثبات وقولت: "الميدان جوة يا ابن عمتي.. وهنشوف مين اللي هيخرج متبهدل". حاجب المحكمة صرخ بصوته القوي: "محكمة!!". الكل سكت، ودخل المستشار رئيس الجلسة وقعد على منصته. بدأت المناداة على القضايا لحد ما جه دور قضيتي: "القض..ية رقم 412 لسنة 2026.. إتهام المدعو سليم... بالنصب والاختلاس وتزوير عقود توريد!". وقفت في قفص الاتهام وأنا حاسس إن عيون الكل عليا، وشريف وطارق قاعدين في أول صف للمشاهدين وعينيهم مليانة شماتة وتحدي. المحامي بتاع شريف (اللي بيمثل المستثمر العربي الوهمي) وقف وقدم العقود المضروبة والشيكات وبدأ يشرح إزاي أنا استوليت على الـ 20 مليون جنيه وهربت برة مصر وسيبت المشروع واقف. القاضي بصلي بنظرة حادة وقال: "ما قولك يا سليم في الاتهامات الموجهة إليك؟ والعقود دي عليها توقيعك الرسمي وبصفتك رئيس مجلس الإدارة؟". أخدت نفس عميق، وبصيت لشريف اللي كان بيهز رجله بثقة، وقولت بصوت قوي هز القاعة: "سيادة المستشار.. العقود دي صحيحة بتوقيعي فعلاً، لكن الفلوس دي مدخلتش حسابي الشخصي ولا حساب فرع الشركة برة مصر.. الفلوس دي تم اختلاسها بالكامل من شخص كان معاه توكيل عام لإدارة حسابات القاهرة، والشخص ده قاعد قدامك في القاعة!". شريف وشه اتغير وقام وقف بعصبية، والقاضي هبد بالشاكوش وقال بحدة: "اجلس يا أستاذ! كمل يا متهم.. مين الشخص ده ومعاك دليل؟". قُلت: "الشخص ده هو شريكي شريف.. وهو اللي وقع على إذن استلام الدفعة المقدمة من البنك وحولها لحسابه الخاص!". هنا شريف فقد أعصابه تماماً، وزعق وسط القاعة وهو بيشاور عليا بجنون: "أنت كداب! سيادة القاضي المتهم ده بيفترى عليا! التوكيل العام اللي معايا مكنش بيمشيني في الحسابات دي، وإذن الاستلام المالي والتحويلات للشركة الوهمية دي كلها كانت بتتم بإمضاء وتفويض مباشر من المدير المالي الأستاذ توفيق وبأمر شخصي من سليم نفسه بالفاكس، وأنا ماليش أي علاقة بحسابات سويسرا ولا بتمويل أي مشاريع تانية!". في اللحظة دي.. رامي دخل من باب القاعة وهو ماسك في إيده ورقة رسمية مختومة، ووراة اتنين أمناء شرطة.. رامي قرب من المنصة وقدم الورقة للقاضي وقال: "سيادة المستشار.. ده إقرار وتنازل رسمي لسه واصل حالا وموثق من الأستاذ توفيق المدير المالي، بيثبت إن شريف هو اللي زور إمضاءات المتهم وهو اللي كان بيدير الحسابات دي كلها.. والأهم يا فندم، إن المتهم شريف لسه معترف حالا قدام المحكمة بنوع وسياق الحسابات السويسرية والشركات الوهمية اللي مكنتش مدونة أصلاً في أوراق القض..ية المقدمة للمحكمة! وده يثبت معرفته الكاملة بالجناية!". القاضي بص لشريف بنظرة زلزلته، وشريف اتقلب وشه للون الأزرق وبص لطارق اللي كان بيحاول يتسحب ويخرج من القاعة.. بس المفاجأة الكبرى مكنتش هنا.. المفاجأة كانت لما باب القاعة اتفتح تاني ودخل شخص مكنش متوقع أبداً إنه يقف على رجله أو يجي المحكمة في التوقيت ده بالذات، ودخوله غيّر مسار القض..ية من مجرد قض..ية أموال عامة.. لجناية شروع في قتل وتدبير حادثة مروعة! الحزء السابع: التفتت الرؤوس كلها ناحية الباب اللي اتفتح بعنف، ووقعت عيني على الشخص اللي داخل وهو ساند على دراع عسكري شرطة، ورأسه ملفوفة بشاش أبيض، وجسمه كله كدمات وجروح.. مكنش حد غريب، ده كان الأستاذ "توفيق" المدير المالي بنفسه! توفيق مكنش في غيبوبة كاملة زي ما شريف وطارق افتكروا، أو يمكن فاق في اللحظات الأخيرة لما حس إن حياته وحياة عيلته في خطر. دخل القاعة وهو بيتنفث بصعوبة، وبص لشريف وطارق بنظرة مليانة غل وكراهية وهتف بصوت مبحوح هز أركان القاعة: "سيادة المستشار.. المتهمين دول هما اللي حاولوا يقتلوني! شريف هو اللي دبر حادثة العربية بتاعتي على المحور لما عرف إني جاي النيابة أقدم المستندات اللي بتبرأ سليم، وطارق هو اللي بعت طليقة سليم المستشفى عشان تسرق الشنطة السوداء اللي فيها أصول الشيكات والتحويلات البنكية المضروبة!". الهمهمات والصرخات علت في القاعة، وشريف حس إن حبل المشنقة بيقرب من رقبته، اتقلب وبص لطارق وزعق بجنون: "أنت اللي ضيعتنا يا طارق! أنت اللي قولتلي إنك مأمن كل حاجة وإن توفيق مش هيقوم منها! أنت اللي جريت ورا نادين وضيعت الشغل والشركة وفلوس سويسرا عشان شهوتك وغبائك!". طارق وشه جاب ألوان، وبقى بيلتفت حوالين نفسه زي الفار المحبوس في مصيدة، وصرخ في شريف: "أنا ماليش دعوة بحادثة توفيق! أنت اللي قولتلي هخلصه بمعرفتي! أنا كان كل همي نادين والولد، أنت اللي طمعت في حصة سليم وسحلتني معاك في تزوير عقود العاصمة الإدارية!". هبد القاضي بالشاكوش ميت هبدة وهو بيزعق: "سكوت!! سكوت في القاعة وإلا هحميكم كلكم بازدراء المحكمة!". سكت الكل كأن على رؤوسهم الطير، وبص القاضي لرامي ورجال المباحث وقال بحزم: "يتحفظ الأمن حالا على المدعو شريف والمدعو طارق داخل القاعة.. وتُحال القض..ية برمتها من محكمة جنح اقتصادية إلى النيابة العامة لإعادة تكييفها كجناية تزوير في أوراق رسمية، واختلاس أموال عامة، وشروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد!". في اللحظة دي، نزل اتنين من أمناء الشرطة، وكلبشوا إيد شريف وطارق مع بعض. شريف وهو بيتحرك والكلابشات في إيده، بصلي بنظرة كلها شر وشماتة مريضة وقال بصوت واطي ومسموع ليا بس: "فاكر نفسك كسبت يا سليم؟ أنت برضه خسرت.. خسرت نادين، وخسرت ابنك اللي بيكرهك، والشنطة دي فيها أوراق تدين نادين كمان بالاشتراك والتزوير.. يعني لو أنا دخلت السجن، أم ابنك هتدخل معايا، وعمر هيعيش يتيم الأب والأم!". خرجوا بيهم برة القاعة وأنا واقف في مكاني مشلول. المستندات اللي في الشنطة السوداء اللي رجعتلي كرامتي وشقا عمري، هي نفسها اللي ممكن ترمي نادين في السجن بتهمة التستر والاشتراك في غسيل الأموال من خلال البوتيك بتاعها! خرجت وراهم لساحة المحكمة الخارجية وأنا دماغي بتغلي. شفت نادين واقفة بعيد، سانده على عربيتها وبتبكي بحرقة وهي شايفة طارق وشريف متبهدلين وداخلين بوكس الشرطة. أول ما عيني جت في عينها، جريت عليا والدموع مغرقة وشها، وقفت قدامي وهي بترتعش وقالت بصوت مكسور: "سليم.. أرجوك.. أنا عارفة إني غلطت وعارفة إن طمع طارق وغبائي هما اللي وصلونا لهنا.. بس عشان خاطر عمر.. بلاش تقدم الورق اللي يخص المحل.. شريف كاتب كل حاجة باسمي في عقود التمويل.. لو الورق ده دخل النيابة أنا هتحبس.. وابننا مش هيبقى ليه حد في الدنيا!". بصيت لها ونار الندم والانتقام بتاكل في قلبي. الغرور القديم كان بيقولي: "سبيها تتسجن وخذي ابنك وعيشي حياتك"، بس ملامح "عمر" الصغير وهو مستخبي ورا جدته وباصصلي بخوف ظهرت قدام عيني. أنا السبب في كل ده.. قسوتي هي اللي فتحت الباب للشياطين دول يدخلوا بيتي ويدمروا حياتنا. قولت لها ببرود قاتل: "الورق مع رامي في مباحث الأموال العامة يا نادين.. ومبقاش بإيدي أغير حاجة في مسار القض..ية.. شريف وطارق هيعترفوا عليكي عشان يسحبوكي معاهم". نادين وقعت على الأرض من الصدمة وهي بتصرخ باسم ابننا. سيبتها وركبت عربيتي وسوقت وأنا مش شايف قدامي.. رحت علطول على بيت حماتي السابقة. طلعت السلم وضغطت على الجرس.. فتحتلي حماتي وهي مرعوبة بعد ما عرفت باللي حصل في المستشفى والمحكمة. دخلت الصالة.. ولقيت "عمر" قاعد على الكنبة، ضامم رجليه لصدره وبعينيه لمعة دموع مكسورة. قربت منه براحة، وقعدت على ركبي قدامه عشان أكون في نفس مستواه.. ولأول مرة من سنتين، مديت إيدي ولمست شعره بحنان حقيقي وقولتله: "عمر.. أنا بابا.. متخافش مني يا حبيبي.. أنا مش جاي أخدك غصب عنك.. أنا جاي أحميك". الولد بص في عيني طويلًا، وكأنه كان بيدور على الأب القاسي اللي سابه وسافر، فلقى راجل تاني مكسور بس مليان حب ونبرة رجاء. وفجأة، الباب اتفتح ودخل "رامي" ومعه اتنين عساكر، وبصلي بنظرة خطيرة وقالي: "سليم.. اجهز حالا.. شريف وطارق اعترفوا في النيابة بكل حاجة.. بس المفاجأة إن شريف قدم مستند جديد خالص مكنش في الشنطة.. مستند يقلب القض..ية عليك أنت تاني ويغير صفتك من مجني عليه لمتهم أول في كارثة تانية خالص ملهاش علاقة بالفلوس!". الحزء الثامن وقبل الأخير: وقفت مكاني وجسمي كله تِلج، شيلت إيدي من على شعر عمر وبصيت لرامي بذهول. النبرة اللي اتكلم بيها مكنتش نبرة صاحبي اللي لسه منقذني من ساعة في المحكمة، دي كانت نبرة ضابط بينفذ أمر حتمي. حماتي صرخت وخدت عمر في حضنها وهي بتبكي، وأنا قُمت وقفت براحة وقولت لرامي بصوت يادوب طالع: "مستند إيه يا رامي؟ وكارثة إيه اللي ملهاش علاقة بالفلوس؟ أنا لسه خارج من المحكمة وبريء بقوة الورق اللي كان في الشنطة!". رامي أخد نفس طويل، وشاور للعساكر يستنوا برا، وقفل الباب وقرب مني وقال بصوت واطي ومليان أسف: "شريف لما لقى حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته في قض..ية التزوير والشروع في قتل توفيق، قرر يرمي كارت حرقك وحرق نفسه معاه يا سليم.. شريف قدم للنيابة أصول تقارير السلامة الإنشائية والرسومات الهندسية الخاصة بـ 'برج الياسمين' اللي شركتكم بنته في التجمع الخامس من سنتين.. قبل ما تسافر بكام شهر!". حسيت كأن سقف الأوضة وقع فوق راسي، وقولت برعب: "ماله برج الياسمين؟ ده اتسلم والسكان سكنوا فيه ومفيش فيه أي مشكلة!". رامي بص في عيني وقال بجدية قاتلة: "البرج حصل فيه هبوط مفاجئ وتصدع خطير من ست ساعات بسبب زلزال خفيف ضرب القاهرة الفجر، والحي أصدر قرار إخلاء جبري للسكان حالا لأنه مهدد بالانهيار في أي لحظة! شريف قدم مستندات بتثبت إنك أنت بصفتك المهندس المصمم والمشرف على التنفيذ، مضيت على تقارير بتفيد باستخدام حديد تسليح وأسمنت بمواصفات معينة، في حين إن المواد اللي استخدمت فعلياً كانت مغشوشة وأقل من المواصفات بـ 40% لتوفير التكلفة.. وشريف قدم شيكات وإيصالات بتثبت إن فرق الفلوس ده دخل حسابك أنت برة مصر قبل ما تسافر بأسبوع!". صرخت بجنون وسط الصالة: "تزوووير! والله العظيم تزوير! شريف هو اللي كان بيشتري المواد وهو المسؤول عن التنفيذ أنا كنت بحط التصميم وبس! والفلوس اللي دخلت حسابي برة دي كانت أرباحي من مشروع تاني خالص!". رامي حط إيده على كتفي وقال بحزن: "أنا مصدقك يا سليم.. بس الورق الرسمي بيقول إن إمضاءك وختمك الهندسي على كل تقرير استلام للمواد دي.. والنيابة أصدرت حالا أمر ضبط وإحضار ليك بصفتك المتهم الأول في قض..ية 'الغش الإنشائي وتعريض حياة المواطنين للخطر'.. ودي جناية عقوبتها الأشغال الشاقة لو البرج وقع أو حصلت وفيات!". في اللحظة دي، انهار كل شيء جوايا. الغرور، الكبرياء، الفلوس، والشركة.. كل اللي جريت وراه وسحلت نفسي فيه بقالي سنتين طلع فخ كبير منصوبلي بعناية من البداية. شريف مكنش عايز يسرقني وبس، شريف كان مجهز كارت إعدامي هندسياً وقانونياً من قبل ما أمشي، عشان لو فكرت في يوم أرجع أو أحاسبه، يرميني ورا الشمس. التفتت ورايا.. لقيت الباب اتفتح ودخلت نادين ووشها ضايع ومخطوف، باين إنها عرفت بالخبر وهي جاية ورايا. بصتلي ونظرة الشماتة اللي كنت خايف منها مكنتش موجودة.. كان في عينيها رعب حقيقي عليا.. أو يمكن على أبو ابنها اللي ملامحه بتتلاشى قدامها. قربت مني وبصت لرامي وقالت بلهفة: "طب والحل؟ سليم ملوش ذنب.. سليم قاسي وأناني ونرجسي بس عمره ما يغش في أرواح الناس! أنا عشت معاه وعارفة إنه في شغله كان بيتقي الله ومبيقبلش الغلط.. شريف هو اللي كان بيقعد مع المقاولين وبتوع مواد البناء.. أرجوك يا رامي اعمل حاجة!". شهادتها في حقي في اللحظة دي كانت زي البلسم على جرح ينزف، بصيت لها وعيني مليانة دموع وقولت: "شكراً يا نادين.. كتر خيرك إنك لسه فاكرالي حاجة نضيفة وسط كل السواد ده". رامي بص لساعته وقال: "سليم.. أنا مقدرش أعطل أمر النيابة أكتر من كده، العساكر واقفين برا.. أنت لازم تسلم نفسك حالا، بس قبل ما نمشي.. فيه ثغرة واحدة ممكن تنقذك في التحقيق بكرا وتكشف التزوير في الختم والإمضاء". سألته بلهفة: "إيه هي؟". قال لي: "دفاتر الموقع القديمة.. الدفاتر اليومية اللي بيمضي عليها مهندس الموقع المقيم (المهندس الصغير اللي كان شغال تحت إيدك).. الدفاتر دي شريف مخبيها عشان فيها الفواتير الحقيقية بأسماء شركات التوريد المغشوشة اللي اتعامل معاها من ورا ضهرك.. لو الدفاتر دي ظهرت، هتنفي عنك تهمة العلم والغش تماماً.. بس الدفاتر دي مش في الشركة، وشريف اعترف لطارق قبل كده إنه شايلها في مكان سري ميعرفوش غيره". نادين برقت عينيها وفجأة صرخت: "أنا عارفة المكان!!". كلنا بصينا ليها بذهول، فكملت وهي بترتعش: "طارق من ست شهور، في لحظة سُكر وكلام من غير وعي، قالي إن شريف مأمن نفسه بدفاتر قديمة وحاططها في 'خزنة سرية' جوه شاليه عيلتهم القديم المهجور في رأس البر.. طارق قالي وقتها 'الدفاتر دي هي رقبة شريف وسليم مع بعض لو حصلت مشكلة في مباني الشركة'!". الأمل رجع يدق في صدري زي الطبول. بصيت لرامي، فرامي هز رأسه وقال: "سليم.. أنت هتمشي معايا حالا على النيابة، وأنا هثبت في المحضر إنك متعاون وسلمت نفسك.. وفي نفس الوقت، هبعت قوة سرية حالا من مباحث الأموال العامة تفتش الشاليه ده بناءً على أقوال نادين اللي هنثبتها في التحقيق كشاهدة عيان.. لو الدفاتر دي جت قبل ما البرج ينهار أو قبل ما النيابة تحيل القض..ية للمحكمة.. أنت هتطلع منها براءة.. وشريف هيتلف حبل الإعدام حوالين رقبته!". نزلت على ركبي تاني قدام عمر، الولد كان بيبكي وباصصلي، مديت إيدي ومسحت دموعه وقولتله: "ادعيلي يا عمر.. ادعي لـ بابا.. أنا راجعلك يا حبيبي، راجع عشان أصلح كل حاجة". قُمت وقفت، وبصيت لنادين وقولت لها: "سامحيني يا نادين.. على كل يوم ضيعته من عمرك في قسوة وبرود.. أنا اللي فتحت الباب للشياطين دول يدخلوا حياتنا". نادين بكت وهزت رأسها وقالت: "ارجع بالسلامة يا سليم.. عشان خاطر ابنك". مشيت مع رامي، وخرجت من الشقة والكلابشات في إيدي.. نزلت السلم وأنا حاسس إن الحمل اللي على ضهري اتهد، مكنتش خايف من السجن، كنت حاسس إن ده التكفير الشرعي عن غباوتي وغروري. دخلت الحجز في قسم الشرطة، وقعدت في الضلمة أستنى الصبح عشان أتعرض على النيابة.. الوقت كان بيمر كأنه دهر.. وكل دقيقة بتعدي كنت بدعي فيها إن الشاليه ميكونش فاضي، وإن البرج ميقعش على السكان. لما الشمس طلعت، أخدوني في ميكروباص الترحيلات على النيابة.. دخلت مكتب وكيل النيابة وأنا متبهدل وتعبان.. وقفت قدام المكتب، ووكيل النيابة كان بيبص في الورق ببرود وصمت قاتل.. وفجأة، تليفون المكتب رن.. وكيل النيابة رفع السماعة، وسمع الكلام وملامح وشه بدأت تتغير وتتحول لذهول تام.. بصلي بنظرة غريبة وقفل السماعة.. وقام وقف وفتح درج مكتبه وطلع ورقة وقالي الكلمة اللي هزت كياني كله وفتحت الباب للجزء الأخير من الكابوس ده! الحزء التاسع والأخير (الحكمة): وكيل النيابة حط السماعة ببطء، وبصلي بنظرة ممزوجة بالدهشة والجدية، وقال بصوت حاسم: "البلاغ اللي لسة جاي حالاً من موقع برج الياسمين بيقول إن البرج انهار تماماً من نص ساعة!". حسيت كأن قلبي وقف، وركبي سابت ومقدرتش أقف. البرج انهار! أرواح الناس، السكان، العائلات! وقبل ما أصرخ أو أنطق، كمل وكيل النيابة وكأنه بيقرأ أفكاري: "لكن العناية الإلهية أنقذت الجميع.. الإخلاء الجبري اللي تم الفجر مخلّاش بني آدم واحد جوه المبنى وقت الانهيار، الخسائر مادية وبس.. والأهم من ده، إن العقيد رامي لسة مكلمني من دقيقة.. القوة وصلت لشاليه رأس البر، وفتحت الخزنة السرية، وحالياً دفاتر الموقع الأصلية وفواتير الحديد المغشوش باسم شريف وشركات التوريد التابعة ليه في حوزة النيابة!". أخدت نفس طويل جداً، وحسيت كأن روحي اللي كانت بتتسحب رجعتلي تاني. دموعي نزلت مش خوف، دي كانت دموع شكر لربنا اللي أنقذني من ذنب أرواح ناس ملهاش ذنب، وأنقذني من فخ الشيطان اللي كنت فاكره أخويا. وكيل النيابة أمر بفك الكلبشات فوراً، وبصلي وقال: "بناءً على الدفاتر الحقيقية وتقرير الإدارة الهندسية اللي أثبت تزوير ختمك وإمضاءك، صفتك في القض..ية دي اتغيرت رسمياً من متهم لمجني عليه وشاهد إثبات.. شريف وطارق هيتحاكموا بجناية الغش التجاري والإنشائي المتسبب في انهيار مبنى، ودي عقوبتها هتوصل للمؤبد، ده غير قضايا التزوير والشروع في قتل الأستاذ توفيق.. أنت حر يا باشمهندس سليم.. تقدر تتفضل". خرجت من مبنى النيابة، والشمس كانت مالية المكان، بس المرة دي كانت شمس دافية بتنور طريق جديد. لقيت رامي مستنيني برا، حضنته بكل قوتي وأنا بشكره، فقال لي وهو بيتبسم: "ماتشكرنيش أنا يا سليم.. اشكر نادين.. الست دي هي اللي أنقذت رقبتك في آخر لحظة بمفتاح الخزنة". ركبت عربيتي ورحت علطول على بيت حماتي السابقة. طلعت السلم وأنا كلي لهفة.. خبطت على الباب، فتحتلي نادين. أول ما شافتني من غير كلبشات والابتسامة على وشي، دموعها نزلت وعرفت إن الكابوس انتهى. دخلت الصالة، ولقيت عمر واقف بيبصلي وتردد.. المرة دي مقعدتش على ركبي، أنا جريت عليه وأخدته في حضني ورفعته لفوق، والولد لأول مرة يضم إيديه الصغيرة حوالين رقبتي ويقولي: "حمد الله على السلامة يا بابا". في اللحظة دي بس، حسيت إن الدنيا رجعتلي، وإن ده أكبر انتصار وأغلى نجاح حققته في حياتي، نجاح ملوش علاقة بفلوس ولا شركات بره مصر. قعدت مع نادين بعد ما الولد دخل أوضته يلعب، وبصيت ليها وقولت بمنتهى الصدق: "أنا مملكش كلام يوفيكي حقك يا نادين.. إنتي أنقذتي حياتي وشرفي، في الوقت اللي أنا كنت فيه بني آدم قاسي ودمرت بيتك.. أنا مش هطلب منك نرجع، لأن الكسر اللي أنا عملته زمان كبير، وأنا محتاج وقت طويل عشان أثبتلك إني اتغيرت وبقيت بني آدم يستحقك.. بس اللي أقدر أوعدك بيه، إن من النهارة، أنا وعمر وإنتي عيلة، ومحدش هيقدر يقف بينك وبين ابنك طول ما أنا عايش.. والمحل بتاعك أنا هشتري أصوله بالكامل من النيابة بعد ما يتفك التحفظ عليه، وهيبقا باسمك إنتي وبس، من شقا عمري الحلال". نادين ابتسمت ابتسامة هادية، لمعة عينيها القديمة رجعت، وقالت: "كفاية عندي إن عمر رجع له أب يحميه بجد يا سليم.. والـتغيير بيبدأ بخطوة.. وإحنا مع بعض عشان خاطر عمر". ### 💡 الحكمة من القصة: > **"لا تترك مكانك فارغاً، فالدنيا لا تطبق الحظر على الأماكن الشاغرة؛ إن لم تملأ مكانك بالحب، والرعاية، والأمان، سيأتي غيرك ليملأه.. وقد يكون البديل شيطاناً في ثوب صديق."** > قسوة سليم وإهماله وغروره هما اللي فتحوا الباب لشريف وطارق عشان يدخلوا حياته ويدمروها. الفلوس والنجاح المادي ملهومش أي طعم لو كان تمنهم خسارة البيوت الدافئة والقلوب الصادقة. الأمان الحقيقي مش في الحسابات البنكية، الأمان في إنك تتقي الله في النعمة اللي في إيدك قبل ما تزول وتصحي على ندم مبيصلحش اللي انكسر.