قصتي اغرب من الخيال لازم تسمعهوا
وفجأة، بعد ما الكل افتكر إن الحفلة خلصت، عميد الكلية رجع تاني للميكروفون وقال: “معانا فقرة تانية أخيرة قبل ما نختم الحفلة”. لقيت البنات التلاتة رجعوا طلعوا على المسرح مع بعض، ونور مسكت الميكروفون وقالت بصوت قوي هز القاعة: “أبونا مكنش يقدر يكون معانا النهاردة..” في اللحظة دي، ملك طلعت ورقة متطبقة من كم الروب بتاع التخرج بتاعها، وفريدة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط. نور كملت كلامها وقالت: “بس احنا لقينا الورقة اللي سابها وراه من 22 سنة..”.
ولما بدأت تقرأ أول سطر مكتوب فيها بصوت عالي قُدام الدفعة كلها، الدنيا لفت بيا.. وركبي خىانتني ووقعت في الأرض مش مصدق اللي بسمعه! 2 رد الجميل على مسرح الجامعة” ج1 حكايات شروق خالد نور قربت من الميكروفون، وصوتها كان بيترعش بس مسموع في القاعة كلها اللي فجأة ساد فيها هدوء غريب.. بدأت تقرأ السطور اللي في فواتير البنزين القديمة: “أنا آسف يا نوح.. مش قادر أتحمل المسؤولية دي.. أنا همشي، بس مأمنك على حتة من قلبي.. البنات دول ملهومش غيرك، وأنا عارف إنك هتبقى ليهم أب أحسن مني بمليون مرة”.
الناس في القاعة بدأت تبص لبعضها وتهمس، بس نور مسكت الميكروفون بأقوى وكمّلت وهي بتبص في عيني مباشرة وسط الزحمة: “الورقة دي سابها الشخص اللي خلّفنا.. سابنا وهرب عشان كان جبان. بس الراجل اللي ربى، الراجل اللي شال، الراجل اللي ضحى بعمره وشبابه وصحته وفلوسه عشان نكبر ونبقى واقفين على رجلينا النهاردة.. قاعد وسطكم دلوقتي”. في اللحظة دي، فريدة شاورت عليا بإيدها وهي بتعيط وصوتها مسموع: “الراجل ده هو عمنا.. وأبونا.. وسندنا.. نوح!”.
فجأة، لقيت شاشة العرض الكبيرة اللي وراهم في الكلية بتنور، وبتعرض صور قديمة وصدمتني.. صور وأنا نايم على الكنبة والتلتاشر ببرونة حواليا، وصور وأنا بضفرلهم شعرهم وتطلع الضفيرة معوجة، وصور تانية في أعياد ميلادهم البسيطة اللي كنت بجمع قرش على قرش عشان أعملها لهم.. البنات كانوا مجمعين كل الذكريات دي من ورايا ومجهزين المفاجأة! القاعة كلها وقفت.. الدكاترة، العميد، أهالي الطلبة، والطلبة نفسهم.. كلهم لفوا وبصوا عليا، وسقفة وهتاف هزوا حيطان المكان.. تصفيق حاد مكنش راضي يقف..
ملك ونور وفريدة نزلوا من على المسرح بيجروا بروب التخرج، وجوم عليا وأنا لسه على ركبي في الأرض مش قادر أقف من كتر التأثر.. رموا نفسهم في حض.ني وهما بيعيطوا وبيقولوا في نفس واحد: “شكراً يا بابا.. شكراً لأنك مسبتنيش”. في اللحظة دي، وأنا حاصنهم وسط دموعي وصوت السقفة اللي مالي المكان، حسيت إن الـ 22 سنة اللي فاتوا، بكل تعبهم وشقاهم وسهرهم، رجعوا لي في ثانية واحدة.. وعرفت إن التضحية مكنتش خسارة، وإني كسبت أعظم عيلة في الدنيا.